لما تقدم ذكره يتبين أن الروايات التي اتهمت الخليفة و كاتبه مروان ، بكتابة الصحيفة المزعومة ، هي روايات لم تصح إسنادا و لا متنا ،و أن عثمان بن عفان بريء مما اتهمه به رؤوس الفتنة ، وأن مروان بن الحكم لم تثبت التهمة في حقه . و أنه يُوجد طرف ثالث يكون قد زوّر الكتاب على الخليفة عثمان و كاتبه مروان. فمن هو هذا الطرف ؟ و ما هي الشواهد التي تثبت تورطه في التزوير ؟ .
( ج )الكشف عن مزوري الكتاب :

سنجيب –بحول الله تعالى- عن التساؤلين السابقين فيما يأتي من هذا المبحث ، معتمدين على الأخبار الآتي ذكرها ،و هي بمثابة شواهد ومعطيات مرجحة و هادفة ، تزيد ما تقدم ذكره تبيانا و تحقيقا .

أولها هو أن هناك روايات تطرقت لحكاية الكتاب المزعوم ،و لم تتهم مروان بن الحكم ،و لا غيره بتزوير الكتاب[4].و هذا يعني أن الروايات التاريخية لم تتفق على اتهام مروان بن الحكم بالتزوير . و ثانيها هو أنه توجد بعض الأخبار أشارت إلى أن من أهل المدينة من شك في أمر عودة البغاة إلى المدينة-بعدما غادروها راضين- و تنبّه إلى احتمال وجود مكر و تخطيط مبيتين ؛ فروي أنه عندما رجع هؤلاء قال علي- رضي الله عنه- للكوفيين و البصريين : كيف علمتم بما لقي أهل مصر و قد سرتم مراحل ، ثم رجعتم إلينا ؟ هذا و الله أمر أبرم بالمدينة . فقالوا : ضعوه على ما شئتم لا حاجة لنا في هذا الرجل ليعتزلنا[5].
و مما يُثبت وجود ذلك المكر و التخطيط و التزوير ، أنه رُوي أن هؤلاء الأشرار زوّروا كتبا على الصحابة الكرام ، فمن ذلك أنه صحّ[6] الخبر أنه لما استشهد عثمان- رضي الله عنه- و أنكرت عائشة أم المؤمنين قتله ، قال لها مسروق بن الأجدع : (( هذا عملك أنت كتبت إلى الناس تأمرهم بالخروج إليه )) فقالت : (( لا و الذي آمن به المؤمنون ،و كفر به الكافرون ، ما كتبتُ إليهم بسوداء في بيضاء ، حتى جلستُ مجلسي هذا )) ، ثم قال سليمان الأعمش –أحد الرواة- : إنهم كانوا يرون أنه كُتب علي لسانها ))[7] . و في رواية أخرى[8] أن الأشتر النخعي جاء إلى عائشة – رضي الله عنها- و قال لها : (( ما تقولين في قتل عثمان ؟ ، فقالت : معاذ الله أن آمر بسفك دماء المسلمين ، و استحلال حرماتهم و هتك حجابهم)) ، فقال لها الأشتر : (( كتبتن إلينا تأمرننا ، حتى إذا قامت الحرب على ساق ، أنشأتن تنهيننا )) ، فحلفت عائشة بقولها : (( لا و الذي آمن به المؤمنون و كفر به الكافرون ، ما كتبتُ إليهم سوداء في بيضاء في أمر عثمان إلى يومي هذا ))[9] . و هذا يعني أن رؤوس الفتنة كانوا يُزوّرون الكتب على لسان زوجات رسول الله –عليه الصلاة و السلام- و ينسبونها إليهن ، ليستخدموها كوسيلة فعالة في تحريض الناس على عثمان و ولاته ،و إعطاء شرعية لأعمالهم التخريبية ، بدعوى أن الصحابة هم الذين شجّعوهم عليها ،و يُوافقونهم عليها .
و يزيد ذلك تأكيدا و توضيحا الروايات الآتية : أولها إنه رُوي أن محمد بن أبي حذيفة –لما حل بمصر- كان يُزوّر الكتب على ألسنة زوجات النبي-صلى الله عليه و سلم- ، فكان يُرسل أناسا إلى طريق المدينة ، ثم يُقدمون بالكتب و عليهم آثار السفر ، فيتلقاهم و معه الناس ، و يُنزلهم المسجد و يقرؤون عليهم الكتب –المزوّرة- ،و فيها الشكاية من عثمان و الطعن فيه ، فيضج الناس بالبكاء و الدعاء[10].
،ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] ابن خلدون : المقدمة ،ط5 ،بيروت دار القلم ، 1984 ، ص: 216 .

[2] الطبري : المصدر السابق ، ج2 ص: 666 .

[3] أنظر : الطبري : المصدر السابق ، ج2 ص: 650 ، 652 .

[4] الطبري : المصدر السابق ، ج2 ص: 653 ، 662 .و ابن عساكر : المصدر السابق ، ج 39 ص: 423

[5] الطبري : المصدر السابق ،ج2 ص: 653 .

[6] رجاله كلهم ثقات ، و هم : أبو معاوية الضرير ،و سليمان الأعمش ،و خيثمة بن عبد الرحمن ،و مسروق بن الأجدع . انظر : الذهبي : السيّر ج 9 ص: 93،و ابن حجر : النقريب ، ج 1 ص: 254،و تهذيب التهذيب ، ج10ص: 100،و المزي: تهذيب الكمال، ج8 ص: 370 .

[7] ابن سعد : الطبقات ، ج 3ص: 82 .

[8] يبدوا أنها صحيحة الإسناد ، على ما قاله محقق كتاب السنة للخلال ، ج2ص: 340 .و هو قد أشار إلى أنه لم يتوصل إلى معرفة عائشة بنت عمرة أم الحجاج الجدلية ( نفسه ، ج2 ص: 340 ) ، لكن يبدوا أنها صحابية ،-فهي ثقة -، لأن ابن حجر ذكرها في كتابه الإصابة في معرفة الصحابة ج 8ص: 44 . و الرواية في النهاية تتقوى بالرواية الصحيحة السابقة الذكر .

[9] أبو بكر الخلال : السنة ، ج2 ص: 340 .

[10] ابن حجر: المصدر السابق، ج 6 ص: 11

7

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s