نظام الملك .. الجزء الثاني


اهتم نظام الملك بالتنظيمات الإدارية فكان اليد الموجهة لأداء الدولة في عهد السلطان ألب أرسلان، واتسعت سلطاته في عهد السلطان ملكشاه([1])، فأشرف بنفسه على رسم سياسة الدولة الداخلية والخارجية بشكل كبير، مستفيداً من فهمه ومعرفته لنظم الإدارة، وقد تضمن كتاب «سياست نامه» الذي ألفه هذا الوزير في الآراء والنظريات الإدارية التي تعتبر أساساً لنظام الحكم وإدارة الدول والممالك ([2])، وتظهر من خلال كتاب «سياست نامه» أهم الطرق الإدارية التي اتبعها الوزير نظام الملك في إدارته للدولة السلجوقية، ويأتي في مقدمتها وقوفه بشدة ضد تدخل أصدقاء السلطان المقربين في شئون الدولة، حتى لا يتسبب ذلك في اضطراب إدارتها ([3]). كذلك كان يهتم بشكل خاص بالبريد الذي كان رجاله يوافون الحكومة بكل أخبار البلاد الخاضعة لها([4]). هذا فضلاً عن حرصه الشديد على إرسال المخبرين إلى جميع الأطراف في هيئة التجار والسياح والمتصوفة والدراويش والعقارين ([5])، يتنسمون الأخبار، ويرسلونها للسلطان أولاً بأول حتى لا يخفى عليه شيء من أمور مملكته ([6]). وقد نجح نظام الملك في إحباط عدد من المؤامرات ضد الحكومة المركزية بفضل ما كان يصل إليه عن طريق أولئك المخبرين ([7])، كما عمل نظام الملك على الحد من استغلال الموظفين والعمال لسلطاتهم حتى لا يرهقوا الرعية بالرسوم والضرائب الباهظة([8])، وكان يغير الولاة والعمال مرة كل سنتين أو ثلاث ضماناً لعدم تلاعبهم في أعمالهم ([9])، ولما ألغى السلطان ألب أرسلان وظيفة «صاحب البريد» ووظيفة «صاحب الخبر» ([10])، رتب وزيره نظام الملك في كل مدينة رجلاً نزيهاً لمراقبة الوالي والقاضي والمحتسب ومن يجري مجراهم من الموظفين وموافاتهم بأخبارهم أولاً بأول، كذلك كان نظام الملك يدقق في اختيار الموظفين، فيختار من كان منهم أغزر علماً وأزهد نفساً وأعف يداً وأقل طمعاً. وكان يختار لوظيفتي «صاحب البريد» و«صاحب الخبر»أناساً لا يرقى الشك إليهم لحساسية هذا العمل، ويتم تعيينهم من قِبل السلطان نفسه، وكان نظام الملك يصرف مرتبات مجزية لموظفي الدولة، خشية أن يضطر الموظف إلى الاختلاس من مال الدولة، أو يستغل منصبه ويتسلط على أموال الرعية ([11]).كما كان حريصاً على مراجعة حسابات الدولة في نهاية كل عام لمعرفة الدخل والمنصرف والموازنة بينهما، ولكي يضمن هذا لنظام الملك تنفيذ خطته الإدارية بدقة استعان بعدد من كبار موظفي الدولة المخلصين والأكفاء، وكون منهم ما يشبه المجلس الاستشاري([12])، مهمته – فيما يبدو- دراسة ما يعرض عليه من أمور مهمة ووضع الحلول الملائمة لها، ومن ثم متابعة تنفيذها بدقة ([13])، وكانت شئون دولة السلاجقة قبل تولي نظام الملك الوزارة غير منظمة، فتطرق الخلل إلى إدارة الولايات التابعة لها، وساءت الحالة المالية فيها نتيجة لخراب أراضيها، ولعدم قيام المشرفين عليها بما تحتاج إليه من عمارة وإصلاح، فلما جاء نظام الملك إلى الوزارة نظم شئون تلك الولايات، وعمر أراضيها، وأقر سلطة الدولة في النواحي التي كادت تخرج من حظيرتها.

فيقال: إنه أول مقتول قتلته الإسماعيلية «الباطنية»، فانبث الخبر في الجيش وصاحت الأصوات، وجاء السلطان ملكشاه حين بلغه الخبر، مظهراً الحزن، والنحيب والبكاء, وجلس عند نظام الملك ساعة، وهو يجود بنفسه حتى مات، فعاش سعيداً فقيداً حميداً

وكان قاتله قد تعثر بأطناب الخيمة، فلحقه مماليك نظام الملك وقتلوه, وقال بعض خدامه: كان آخر كلام نظام الملك أن قال: لا تقتلوا قاتلي، فإني قد عفوت عنه وتشهّد ومات

([1]), (6) نظام الوزارة في الدولة العباسية، د محمد الزهراني 172.

([3]) نظام الملك: سياست نامه، ص 234. (8) المصدر نفسه، ص 102.

([5]) العقارين: باعة العقاقير الطبية. (2)، (3) سياست نامة, ص 107.

(4) المصدر نفسه، ص 51، 52. (5) المصدر نفسه، ص 69.

(6) المصدر نفسه، ص 102.

([11]، 8, 9، 10) نظام الوزارة في الدولة العباسية للزهراني، ص 174.

([13]) نظام الوزارة في الدولة العباسية، ص 174. (4) المصدر نفسه.3

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s