قرطبة منارة العلم

1

 

(كان في قرطبة ثمانمائة مدرسة، وكان التلاميذ يأتون من أقاصي الأرض ليتعلّموا فيها، وكانت للفقراء منهم دور إقامة أعدّتها الحكومة مجاناً لهم، ولهم في فيها أرزاق من بيت مال الدولة تقوم بحاجتهم من طعام وشراب ولباس، وكانوا يعطون زيادة على ذلك شيئاً من الدراهم معلوماً لكل واحد منهم، ولم يكن هناك اختصاص في التعليم إلاّ لمن يريد التخلّص من بعض التبعات. وقد قال اسكوت: “إنّ الجامعات والكليات الأندلسية كانت متسامحة ترحب باليهود والنصارى والمسلمين على حد سواء”. وللعرب مثل سائر: “افترق العالم فريقين: فريق لهم علم بلا دين، وفريق لهم دين بلا علم” (1).
مَن ذا الذي لم يقرأ يوماً من الأيام، في مدرسة العمر العجيبة، تأسيس الجامعات الأولى الذي ألهمته النصرانية – بزعمهم – في القرنين الثاني عشر والثالث عشر؟ وإني سائل والعجب آخذ مني كل مأخذ: كم واحداً ممن قرأ كتابي هذا، قرأ قط أنّ إسبانيا المحمديّة كانت قبل ذلك بثلاثة قرون
وقد نسبوا إلى ابن الطفيل ألفاً ومائة كتاب في الفلسفة والتاريخ والطب، وأنّ ابن حزم ألّف أربعمائة وخمسين مجلداً في الفلسفة والقانون (الفقه)، وكانت لهم معلومات عدّة تزيد مجلدات إحداهن على خمسين مجلداً. وعدد المؤرخين منهم يزيد على ألف على ما قيل، فللّه كم ضاع من علم وأدب كان طعمة للنيران التي أوقدتها أيدي الرهبان حين: “طرد الإسبانيون الكفار من أوروبا”، كما يزعم المدرسون. وكان قسم من تلك الكتب في علم الكلام، فلا تستحق أن تعتبر هنا. وكان علماء المسلمين قد جاءوا الأندلس من كل رجا من أرجاء الدنيا. وأحياناً كان يتسرب إليها المتعصبون من أهل إفريقية، فيؤيدون السلفيين الجامدين، وينشأ غمام مظلم في سماء الوجهة العقلية الإسبانية بتافه قول من قال: “إنّ الضعف الوحيد الذي كان في أهل الأندلس إنما أتاهم من قبل دينهم”. ومن الواضح أنّ أكثر علمائهم اختصاصاً بأمور الدين هم الفلاسفة، وإنّهم صرحوا جهرة بذم علم الجدل الكلامي حتى الإسلامي منه. وكانوا يعرفون جميع ضروب الفلسفة: هنديّة كانت أم يونانية، إلاّ أنّ أرسطو كان هو المعلّم الأكبر في نظرهم. ولما تكلم الشاعر الكاثوليكي دانتي في القرن الثالث عشر على الفلسفة لم يذكر ولا رجلاً واحداً نصرانياً، إلاّ ذكر بعده ابن سينا وابن رشد، وساوى بينهما وبين المعلم الأكبر في الشرف، حين سمَّى الجميع “آل بيت الفلسفة”، وذلك يدلنا على أنّ الفضل في النهضة الفكرية في أوروبا يرجع إلى العرب الذين أحيوا فلسفة اليونان بعد دروسها، قبل النهضة الأخيرة الأوروبية بأربعة قرون).
قادة فتح الأندلس/(1/199)
المؤلف: محمود شيت خطاب
هيام عبده مزيد
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s