نظام الإلجاء وعبقرية السلطان عبد الحميد الثاني

فقاعة

 

تمتع السلطان عبد الحميد بعقل كبير وعبقرية فذّة، ومن ذلك مناوراته السياسية الداخلية والخارجية.
ظهر نظام الإلجاء بشكل كبير بعد صدور قانون الطابو عام 1859م والذي ينظّم ملكية الأراضي في الدولة ضمن مجموعة القوانين الغربية التي حوّلت الدولة ومسختها في عهد محمود الثاني وعبد المجيد وعبد العزيز، ونظام الإلجاء يعني أن يقوم الفلاح المسكين الذي أنهكته الضرائب والوضع الأمني السيء بتسجيل أرضه باسم أحد الباشوات أو المتنفذين في منطقته مقابل حمايته وضريبة أو نسبة يدفعها الفلاح لهذا الشخص، طبعاً تسبب هذا النظام في اتساع إقطاعيات وملكيات الأثرياء وتهجير الفلاحين وتشريدهم لعدم قدرتهم على الإيفاء بالتزاماتهم فانتزعت الأرض منهم.
——————-

فقاعة
-الصورة لقرية الجفتلك الفلسطينية في غور الأردن-
كيف تعامل السلطان عبد الحميد مع هذا النظام الجائر، وكيف سخّره بطريقة عبقرية ليتهرب من تحكم الدائنين (الدول الغربية) في مؤسسة الديون العامة مع تجنيب الفلاحين الضرائب الكبيرة ليساعدهم على عمارة أراضيهم ؟
ما حدث أن السلطان عبد الحميد استخدم هذا النظام بأسلوب ذكي جداً، حيث فتح مراكز الجفتلك (الأراضي الأميرية) للفلاحين الراغبين في إلجاء أراضيهم للسلطان، فأقبل الفلاحون يسجلون أراضيهم تحت اسم السلطان مقابل خمس المحصول تدفع للسلطان، والخمس يعتبر قليلأ جداً إذا ما قورن بالضرائب الكبيرة التي كانت تفرض على الفلاحين.
هذه الضرائب كانت تتحكم فيها الدول الأوروبية بحجة ضمان تسديد ديونها، فقد كتب السلطان في مذكراته عام 1902م عنها يقول:يؤدي الأتراك ضرائب عن الأرض 400 وعن المسقفات 100، وعن كل رأس ماعز 3 قروش وعن كل رأس غنم 4 قروش، وواضح أنه بعد دفع هذه الضرائب لا يبقى لهم إلا النزر اليسير، فلا مجال إذا لتحميلهم فوق ما يطيقون، فلا بد أن تقبل الدول الكبرى بضريبة الدخول.
ونتيجة لذلك بلغت ملكية السلطان عبد الحميد ما يقرب من خمسين مليون دونم من الأراضي الزراعية، 60% منها في فلسطين وسوريا، وأكثر من 20% منها في العراق، وهذه المناطق كانت تشهد تسلّط الباشوات والآغوات على الفلاحين، كما شهدت غزوات البدو الذين كانوا ينهبون القرى، بالإضافة إلى محاولات اليهود وعملائهم الاستيلاء على الأراضي الزراعية عن طريق شرائها من الفلاحين والإقطاعيين.
—————–
 ما هي النتائج التي ترتبت على إلجاء الفلاحين لأراضيهم تحت اسم السلطان عبد الحميد ؟
فقاعة

كانت النتيجة انتعاش الزراعة في الأراضي الأميرية بشكل كبير مما دفع عجلة العمران في تلك المناطق وحسّن من حالة الفلاحين فيها، وكمثال لذلك نستعرض حالة المنطقة الممتدة بين مدينة جنين وبحيرة طبريا في فلسطين، فقد أدت غارات القبائل البدوية ونظام الضرائب إلى خراب 40 قرية، اما بعد الحركة الإصلاحية للسلطان فقد تمّ تعمير 21 موقعاً آيلاً للخراب بما فيهم مدينة بيسان بالإضافة إلى بناء 29 موقعاً جديداً.
كذلك أسهمت هذه الحركة بزيادة ثروة السلطان التي كانت الساند الرئيسي لميزانية الدولة، فبعد أن كانت الضرائب تذهب إلى مؤسسة الديون التي تقوم بتسديدها مباشرة إلى الدول الأوروبية الدائنة، أصبحت ضريبة الخمس تذهب إلى السلطان فيقوم بتوجيه هذه الأموال أينما يشاء في دولته، وقد اشتكى السلطان من تسلط الدول الأوروبية على أموال الدولة بحجة الديون في مذكراته، ويبدو أن هذه الطريقة العبقرية ساهمت في تطوير الدولة من خلال سيطرتها على مواردها وتوجيهها حيث تشاء.
ومما لا بد أن نشير إليه، أنه لم ترد إشارة واحدة في التاريخ عن قيام السلطان بالاستيلاء على أراضي رعيته، أو قام بإجلائهم عنها أو استبدلهم بآخرين ليعملوا فيها بعد تنازلهم عنها للسلطان، وإن حدث بعض التجاوزات من قبل ممثلي السلطان فقد كانت تسوّى على الفور، ومنها أن عشيرة الضراغمة في غور الأردن رفعوا قضية على السلطان في محكمةالتمييز في نابلس بسبب قيام ممثلي السلطان بالاستيلاء على جزء من أرضهم غير المزروعة وضمها للأراضي السلطانية، فقضت المحكمة برفع اسم السلطان عنها وإعادتها إلى أصحابها.
——————

أخيراً، ماذا حدث للأراضي السلطانية بعد عزل السلطان عبد الحميد ؟

فقاعة
بعد إعادة العمل بالدستور عام 1908م أجبر الاتحاديون السلطان على التخلي عن ملكيته لخزينة الدولة، ومنذ ذلك الوقت سعى أعضاء الجمعية إلى استغلال هذه الأراضي إما بالبيع أو التأجير من أجل الاستثمار بحجة تنميتها واستفادة الدولة منها، مما أثار حفيظة الفلاحين وبعض أوساط المعارضة داخل الدولة الذين أوقفوا هذه التحركات أو حدّوا منها، مع العلم أنه خلال المدة الطويلة التي شهدت ملكية السلطان لهذه الأراضي لم يتم تسجيل أي محاولة من طرف السلطان لتحويل ريعها إلى ممصلحته أو محاولة توريثها لورثته أو تأجيرها لغير أصحابها، بل كانت ثروة السلطان الداعم والسند للدولة في الملمات.
هذه الملكية الكبيرة أثارت شهوة الحركة الصهيونية التي سعت إلى امتلاك هذه الأراضي من خلال شركات واستثمارات منها شركة الأخوين الأصفر من بيروت التي سعت لامتلاك أراضي بيسان والحولة لكنها فشلت بسبب المعارضة الشعبية لذلك، لكن حصلت الحركة الصهيونية على مرادها بعد سقوط الدولة العثمانية مع نهاية الحرب واستطاعت من خلال سلطات الانتداب البريطاني في فلسطين من السيطرة على مساحات واسعة من هذه الأراضي بشكل مباشر مثل أراضي عرب الصقر وسيرين وكفر مصر، أو من خلال شرائها من بعض العائلات المتنفذة الإقطاعية التي نجحت في ضمّ جزء من الأراضي الأميرية إليها من خلال شرائها من الفلاحين بسعر زهيد نتيجة الحاجة، أو من خلال عملهم ومعرفتهم بدوائر الطابو والمعاملات الحكومية ودهاليزها.

رحم الله السلطان عبد الحميد رحمة واسعة وجزاه كل خير عن هذا الجهد.

——————————————————————————————-
بحث للدكتور أمين أبو بكر، من مجلة جامعة النجاح للأبحاث، العلوم الإنسانية، المجلد 17، 2003، بتصرف
مذكرات السلطان عبد الحميد السياسية، الناشر مؤسسة الرسالة – بيروت.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s