الاصلاحات التي قام بها السلطان عبد الحميد الثاني

فقاعة

مع ارتقاء السلطان عبد الحميد الثاني سدة حكم السلطنة 1876م اتخذت عملية الإصلاح منحى جديدا نبع من إيمانه

أولا: بأن الإسلام هو”القوة الوحيدة التي تجعلنا أقوياء” ،
وثانيا: بأن أوروبا لا تريد الخير لدولته
وثالثا: بأن ظروف الدول مختلفة، فما يصلح لواحدة قد يضرأخرى، ولهذه العوامل كان يرفض عملية التقليد للغرب وإن كان يرى أن الإسلام لا يمنع اقتباس العلوم والتقنية وأسباب القوة بشرط أن يكون الإقتباس حسب الحاجة الداخلية للدولة وليس تنفيذا لأوامر من الخارج، فالغرب لا يسير إلا خلف مصالحه الذاتية ولهذا فإنه لن يساعد في تقديم المساعدة العلمية للدولة طالما أنه يمكنه بيعها جاهزا ما تود هي تصنيعه، هذا فضلا عن أنه يسعى لتفتيت الدولة العثمانية والقضاء عليها ولذلك فقد أثبتت التجربة أن اتباع نصائح أوروبا وتنفيذ أوامرها لن يأتي إلا بالهزيمة والدمار، هذا إلى جانب أن ما يصلح لدولة تتكون من عنصر واحد قد يكون سما لدولة تتكون من عناصر شتى من السكان، وظروف دولة تقع في أقصى الأرض تختلف عن ظروف دولة تقع في وسطها.
1- المعرفة والعمران
———————-
قام السلطان بمحاولة نهوض شامل في كافة أرجاء السلطنة وتحديثها- دون تغريب- مركزا على محورين:المعرفة والعمران، مع محاربة التأثيرات الفكرية والسياسية الغربية ـ التي إضافة إلى أنها نابعة من حضارة أوروبا التي لا سبيل إلى جمعها مع حضارة الإسلام في رأيه ـ فقد فتحت الباب لاستقطاب الولاء للغرب بين العثمانيين، ولهذا حاول إعطاء هذه النهضة محتوى إسلاميا بدعم نشر الفكر والرابطة الإسلاميين؛ فتحت بند المعرفة: تم تأسيس كليات الهندسة، والطب، والعلوم، والآداب، والحقوق، والعلوم السياسية، والفنون الجميلة، والتجارة، والزراعة، والبيطرة ومعاهد المعادن، والغابات، والتجارة العسكرية، والمعلمين واللغات، كما تم بناء المدارس الإبتدائية ونشرها في قرى السلطنة، بالإضافة إلى المدارس المتوسطة في مراكز الأقضية والمدارس الثانوية في مراكز الألوية، هذا بعد أن كان بناء المدارس يسير ببطء إلى بداية حكم السلطان وقد نتج عن انتشار المدارس في عهده تضاعف أعداد من يقرأون ويكتبون إلى نسب عالية وصلت في بعض المدن إلى عشرة أضعاف،
– لقد كان اهتمام السلطان عبد الحميد بالتعليم واصلاحه في كافة المجالات منها:
ا. انشا المدارس الابتدائية والاعدادية والثانوية بحيث درست فيها مختلف المواضيع.
ب. انشا اول جامعة علمية في استنبول سنة 1900 والتي شملت اربع كليات: كلية العلوم الدينية, الكلية الرياضية, الكلية الطبيعية, والكلية الادبية.
ج. ارسال بعثات طلابية الى الدول الاوروبية وخاصة المانيا للدراسة بهدف خلق كادر جيد من الموظفين يستعين بهم في المجال الاداري.
د. انشا اكثر من 18 مدرسة ومعهد للتعليم العالي, تدرس فيها المواضيع المختلفة مثل القانون, الفنون, التجارة, الهندسة, البيطرة, الشرطة والطب وغيرها.
ه. انشا مؤسسات ثقافية متنوعة مثل المتاحف ( متحف الاثار القديمة والمتحف العسكري) والمكتبات (مكتبة بايزيد ومكتبة يلدز).
وقد حرص السلطان على أن يكون محتوى التعليم إسلاميا بمراقبة المناهج واستبعاد أصحاب الميول الغربية والإنفصالية من هيئات التدريس، كما عمل على نشر الفكر الإسلامي عن طريق طباعة وتوزيع الكتب الإسلامية ، ومن أمثلة ذلك: أمره بطباعة صحيح البخاري سنة 1892 في المطبعة الأميرية في مصر، وكذلك أمره بطباعة كتاب إظهار الحق للشيخ رحمة الله الهندي الذي يحتوي على مناظرات مع المبشرين، ولعل في هذين المثلين من العبرة مايكفي ومن المرافق العلمية كذلك: المدارس الصناعية ومدارس الصم والبكم والمكتبات: كمكتبة بايزيد ومكتبة يلدز، والمتاحف كمتحف الآثار القديمة والمتحف العسكري. أما عن العمران: فقد شمل المشاريع المائية، والبريدية، وسكك الحديد، والمعامل المختلفة، والمستشفيات، والغرف التجارية، والصناعية، والزراعية، ودور العجزة والنفوس، كما تم في هذا العهد إدخال الهاتف، والسيارة، والترام، والتلغراف، في مواصلات واتصالات الدولة.
مجالات أخرى شملها التحديث في عهد السلطان عبد الحميد لم تقتصر النهضة الحميدية التحديثية على المعرفة والعمران، بل شملت نواح أخرى لاقت درجات متفاوتة من النجاح منها:
2- الإقتصاد :
————–
شهدت العهود التي سبقت عهد السلطان عبد الحميد تسللا واسع النطاق للنفوذ الإقتصادي الغربي في الدولة العثمانية نتيجة لما أحدثته سياسة التنظيمات ولجوء الحكام إلى الإقتراض الموسع من الدول الغربية ، ورغم تأكيد بعض الباحثين على استمرار اندماج اقتصاد الدولة في العهد الحميدي بالإقتصاد الأوروبي الرأسمالي ـ بشكل تابع طبعا ـ وذلك لعدم قدرة السلطان على وقف الموجة العاتية، فقد رأيناه يتخذ كثيرا من الإجراءات للحد من النفوذ الغربي، ولعل أهم هذه الإجراءات هو تقليص نفقات الدولة ، وقد شمل ذلك العديد من المصاريف غير الضرورية التي كانت تهدر في السابق ، مع عدم المساس بالسلع الرئيسة التي يعتمد المواطن عليها كالخبز مثلا، وكان هدف سياسة الترشيد هذه هو عدم اللجوء للإقتراض من الخارج، هذا الإقتراض الذي أفلس الدولة وقيد استقلالها وجعل مواردها بيد أعدائها، وقد حاول تنظيم سداد الديون بإنشاء لجنة الديون العثمانية التي مثلت الدائنين في سنة 1881 ودخل في مفاوضات معها جعلها تخفض الدين إلى أقل من النصف (41%) وتخفض الفائدة إلى 1% كذلك، وتم وضع بعض موارد الدولة تحت تصرف هذه اللجنة وأصبحت الديون تسد بانتظام حتى وصلت إلى العشر (10%) في نهاية عهده ومن تلك الإجراءات المناوئة للنفوذ الإقتصادي الغربي أن السلطان كان يحجم عن تنفيذ بعض المشاريع إذا أحس بالخطر من تسرب رأس المال الأجنبي من خلالها، أويتوجه إلى جهات غير طامعة لتنفيذ هذه المشاريع، كطلبه من اليابان التنقيب عن النفط في الموصل بعد رفضه إعطاء الإمتياز للإنجليز وغضبه من خداع حلفائه الألمان وقد استمر الإقتصاد العثماني في عهده بالإعتماد على قاعدة الذهب والفضة وكانت النقود الذهبية والفضية متداولة أكثر من العملة الورقية وحتى هذه كان بالإمكان تحويلها إلى معادلها من الذهب في كافة أنحاء العالم.
3- الجيش
————
كان السلطان عبد الحميد يرى أن الإعمار أهم من دخول الحروب حتى لو تم إحراز النصر فيها، لأنها تأتي بالويلات والدمار للبلاد، بينما المجد المتحصل منها زائف، ولهذا فإنه لم يدخل مختارا في حرب إلا دفاعا عن النفس ولكن ذلك لم يمنعه من تحديث جيشه تحسبا ليوم عصيب، فزوده بالأسلحة الحديثة واستدعى المدربين والمستشارين العسكريين للإفادة من خبراتهم، وقد أثبت الجيش فعاليته في حرب اليونان 1897م ولعل من أهم إنجازات السلطان تمويله لتجارب الغواصات التي نتج عنها صناعة الغواصتين عبد المجيد 1887وعبد الحميد 1888 في استانبول، في الوقت الذي لم يكن لبريطانيا غواصات كما يذكر في مذكراته، ومن إنجازاته أيضا تحصين مضائق العاصمة بطريقة مكنت القوات العثمانية من صد هجمات الحلفاء في سنة 1915م أثناء الحرب العالمية الأولى وتحقيق الإنتصارات المشهورة في شبه جزيرة غاليبولي ويؤخذ على السلطان إهماله للأسطول الأمر الذي برره بأنه لما حاول إحلال قباطنة عثمانيين محل القباطنة الإنجليز تدخل السفير البريطاني لمنع ذلك، مما دفع السلطان لإسقاط أمر الأسطول من حسابه، ولم يلجأ لتصنيع السفن لأن ذلك يستلزم مالا كثيرا والغرب لا يقرض أموالا لتصنيع ما يمكنه بيعه للدولة جاهزا.
4-القضاء :
————
كان السلطان عبد الحميد يؤمن بأن العدل هو الأساس الذي قامت عليه الدولة العثمانية التي لو كانت قد جلبت الظلم لتفتتت منذ البداية، ولهذا حاول القيام بإصلاح في مجال القضاء هدف إلى تحقيق المساواة بين الجميع أمام القانون وكفالة تطبيق العدالة بأسرع وقت عبر التنظيم التشريعي و الإداري، ومن الإجراءات التي اتخذها في هذا الحقل: إنشاء كلية الحقوق لإعداد رجال قانون متخصصين، وتنظيم وزارة العدل وعلاقاتها بمختلف أنواع المحاكم ووضع برنامج للإصلاح استهل بقوانين صدرت بداية من سنة 1879م؛ يقول الأستاذ الدكتور عبد العزيز الشناوي عن أثر هذه الإصلاحات في كتابه الدولة العثمانية ج 3 ص 1171: “وقد حققت هذه القوانين وغيرها مستوى رفيعا من العدالة والنزاهة والنظام في البنيان القضائي لم تشهد الدولة له من قبل مثيلا. وكان جميع المتقاضين في المحاكم المدنية على اختلاف درجاتها وكذلك جميع المتهمين أمام محاكم الجنايات متساوين أمام القانون بصرف النظر عن دياناتهم أو مذاهبهم أو مراكزهم الإجتماعية”، ولكن الغرب لم يكن سعيدا بهذه الإصلاحات لأنها وضعت العثماني والأجنبي أو المتمتع بالحماية الأجنبية داخل الدولة العثمانية على قدم المساواة، وأصرت الدول الأوروبية على عدم تطبيق القوانين الجديدة على رعاياها مستندة في ذلك إلى معاهدات الإمتيازات الأجنبية، الأمر الذي أدى إلى إجهاض الثمار المرجوة من هذا الإصلاح وتحديد فاعليته.
5- السلطان عبدالحميد والوحدة الإسلامية
———————————————–
ارتبط اسم السلطان عبد الحميد في معظم الدراسات بفكرة الجامعة الإسلامية التي دعا إليها واتخذها سياسة رسمية له، وقد توصل إلى ضرورتها بعدما رأى تكالب دول الغرب على العالم الإسلامي داخل الدولة العثمانية وخارجها، ولهذا عمل على جمع المسلمين تحت راية الخلافة لعلهم يتمكنون من صد الهجمة الإستعمارية التي كانت في ذروتها إبان عهده ولم يستثن السلطان أحدا من المنتمين للإسلام من دعوته مهما كان مذهبه أو قوميته أو موقعه الجغرافي، فقد شكل عهده قطيعة مع الماضي فيما يتعلق بالعلاقة بين أهل السنة والشيعة حين حاول إزالة الإحتقان الذي رسبته قرون من سوء التفاهم والعداوة، وفتح للشيعة أبوابا كانت مغلقة مثل حرية التعبير والدعوة والنشر حتى في عاصمة الدولة مما أثار حفيظة بعض المتشددين من أبناء السنة، كما غض النظر عن تشيع كثير من أبناء جنوب العراق ولم يعد ذلك توجها معاديا للخلافة، وحاول التقارب مع إيران لتفويت الفرصة على بريطانيا وروسيا اللتين تطمعان في أراضي الدولة العثمانية وإيران معا، بل إن دعوته لم تستثن حتى الدروز، ويحكي الأمير شكيب أرسلان كيف أنه عندما كان جماعة من مشايخ دروز حوران في استانبول أمر السلطان بأن يصلوا الجمعة خلفه في جامع يلدز.
أما ما قدمه السلطان لدعم دعوته بين قوميات مختلفة من المسلمين، فهو لم يكتف بمطالبتهم بالإلتفاف حول الخلافة بل قام بجهود أوجدت أرضية مادية صالحة لانتشار فكرته
المراجع
مصادر
^ كتاب السلطان عبد الحميد الثاني بين الإنصاف والجحود لمحمد مصطفى الهلالي
^ كتاب موقف الدولة العثمانية من الحركة الصهيونية للدكتور حسان حلاق
^ من كتاب موقف الدولة العثمانية
^ الباحث فاضل بيات عن السلطان في كتاب دراسات في تاريخ العرب في العهد العثماني
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s