السجية العسكرية الاسلامية:مدارس الحرب المملوكية المسماة بالطباق


1

قال المقريزى -رحمه الله-: “الطباق: عمّرها الملك الناصر محمد بن قلاوون، وأسكنها المماليك السلطانية، وعمّر حارة “مسكن” تختص بهم، وكانت الملوك تُعنى بها غاية العناية، حتى إن الملك المنصور قلاوون كان يخر “ينزل من القلعة” في غالب أوقاته إلى الرحبة عند إستحقاق حضور الطعام للمماليك، ويمر بعرضه عليه، ويتفقد لحمهم ويختبر طعامهم في جودته ورداءته، فمتى رأى فيه عيباً اشتدّ على المشرف والإستادار ونهَرهما وحلّ بهما منه أيّ مكروه، وكان يقول: كلّ الملوك عملوا شيئاً يُذكرون به ما بين مال وعقار، وأنا عمّرت أسواراً وعملت حصوناً مانعة ولي ولأولادي وللمسلمين، وهم المماليك، وكانت المماليك أبداً تُقيم بهذه الطِبقات “المدارس الحربية” لا تبرح فيها، فلما تسلطن الملك الأشرف خليل بن قلاوون سمح للمماليك أن ينزلوا من القلعة في النهار ولا يبيتوا إلا بها، فكان لا يقدر أحدٌ منهم أن يبيت بغيرها، ثم إنّ الملك الناصر محمد بن قلاوون سمح لهم بالنزول إلى الحمّام “العام” يومًا في الأسبوع، فكانوا ينزلون بالنوبة مع الخُدّام، ثم يعودون آخر نهارهم، ولم يزل هذا حالهم إلى أن أنقرضت أيام بني قلاوون،
وكانت للمماليك بهذه الطباق عادات جميلة، أوّلها أنه إذا قدم بالمملوك تاجره عرضه على السلطان، ونزله في طبقات جنسه وسلمه لطواشيّ”خادم ومتعهد”، فأوّل ما يبدأ به تعليمه ما يحتاج إليه من القرآن الكريم، وكانت كلّ طائفة لها فقيه يحضر إليها كل يوم، ويأخذ في تعليمها كتاب الله -تعالى-، ومعرفة الخط، والتمرن بآداب الشريعة، وملازمة الصلوات والأذكار، وكان الرّسم “القرارات العامة” إذ ذاك أن لا تجلب التجار إلا المماليك الصغار، فإذا شبّ الواحد من المماليك علّمه الفقيه شيئاً من الفقه، وأقرأه فيه مقدّمه، فإذا صار إلى سنّ البلوغ أخذ في تعليمه أنواع الحرب: من رمي السهام، ولعب الرمح ونحو ذلك، فيتسلم كلّ طائفة معلم حتى يبلغ الغاية في معرفة ما يحتاج إليه، وإذا ركبوا إلى لعب الرمح أو رمي النُّشاب”الرمى بالنبل” ونحو ذلك، لا يجسر جند، ولا أمير أن يحدّثهم أو يدنو منهم، فينقل إذن إلى الخدمة وينتقل في أطوارها رتبة بعد رتبة إلى أن يصير من الأمراء، فلا يبلغ هذه الرتبة إلا وقد تهذّبت أخلاقه، وكثُرت آدابه، وأمتزج تعظيم الإسلام وأهله بقلبه، وأشتدّ ساعده في رماية النشاب، وحسن لعبه بالرمح، ومرن على ركوب الخيل، ومنهم من يصير في رتبة فقيه عارف، أو أديب شاعر، أو حاسب ماهر، هذا ولهم أزمَّة من الخدّام، وأكابر من رؤوس النوب يفحصون على حال الواحد منهم الفحص الشافي، ويؤاخذونه أشدّ المؤاخذة، ويناقشونه على حركاته وسكناته، فإن عثر أحد من مؤدبيه الذي يعلّمه القرآن، أو الطواشيّ الذي هو مسلَّم إليه، أو رأس النوبة الذي هو حاكم عليه، على أنه اقترف ذنباً، أو أخلّ برسم، أو ترك أدباً من آداب الدين أو الدنيا، قابله على ذلك بعقوبة مؤلمة شديدة بقدر جرمه…..
فلذلك كانوا سادة يدبرون الممالك، وقادة يجاهدون في سبيل الله، وأهل سياسة يبالغون في إظهار الجميل، ويردعون من جارة أو تعدَّى”.
———-
المراجع :المقريزى, المواعظ والأعتبار بذكر الخطط والآثار 3/373 ..
أبو معاوية المصرى …

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s